فوزي آل سيف

35

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وبالرغم من أن مسألة الغلو لم تبدأ في زمان الإمام الهادي وإنما كان لها تاريخ سابق، فقد غلا في أمير المؤمنين عليه السلام قوم، وقد أشار إليهم في أكثر من حديث[109]وقد ذكر عليه السلام الصنفين؛ المبغضين القالين والكارهين وأيضا الغلاة المحبين! كما حصل في زمان الإمام الصادق عليه السلام كذلك جماعة من الغلاة، أشهرهم أبو الخطاب الأسدي.[110] ومن خلال حديث الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام، يظهر أن هؤلاء كانوا " يتوالدون" ويستنسخ بعضهم بعضًا ويعبرون من زمان إمام لزمان الإمام الذي بعده، فها هو يقول في شأن محمد بن الفرات الجعفي وهو من الغلاة:" آذاني محمد بن الفرات، آذاه الله وأذاقه الله حر الحديد، آذاني لعنه الله ما آذى أبو الخطاب لعنه الله جعفرَ بنَ محمد عليه السلام بمثله، وما كذب علينا خطابيٌّ، مثل ما كذب محمد بن الفرات، والله ما من أحد يكذب علينا إلا ويذيقه الله حر الحديد. قال محمد بن عيسى: فأخبراني وغيرهما: أنه ما لبث محمد بن الفرات إلا قليلا حتى قتله إبراهيم بن شكلة، أخبث قتلة، فكان محمد بن الفرات يقول: إنه باب وإنه نبي، وكان القاسم اليقطيني، وعلي بن حسكة القمي كذلك، يدعيان لعنهما الله».[111] وكان في زمان الإمام الهادي عليه السلام تلك النماذج الغالية، وبعضهم ممن له (تاريخ) سابق! بينما بعضهم الآخر اختص بزمانه عليه السلام، فلعنهم الإمام وأظهر البراءة منهم وأنه لا يعرفهم في شيعته، بل أمر بمحاربتهم، وذلك لأنهم ليسوا أهل شبهة حتى يتناظر معهم ويتناقش وإنما أهل فتنة مصرون عليها لما تكسبهم من مكاسب! وهم في ذلك ينشرون بين الناس ما يعارض التوحيد وقد خرجوا منه بلا شك إلى الشرك! ولأن العملية لا تحتاج إلا لسان كذوب وقلب فاجر فلقد كثر هؤلاء حتى " زاد عددهم في زمن الإمام الهادي (عليه السلام) إلى نحو عشرين شخصاً".[112] وقد عد المهاجرـ في رصده إياهم ـ ثلاثة منهم قميين: علي بن حسكة القمي، والحسن بن محمد بن بابا القمي، والقاسم بن الحسن اليقطيني القمي.[113] ومن الغلاة في سائر المناطق محمد بن الفرات الجعفي، ومنهم محمد بن نصير النميري، والحسين بن علي الخواتيمي.. ومنهم فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني، إلا أن الشيخ المهاجر عند حديثه عنه استبعد كون فارس هذا من الغلاة وإنما كان ممن يريد كشف (أسرار التنظيم) وجاء من قزوين إلى سامراء لهذا الغرض فتخلص الإمام منه بأمر أحد الشباب بقتله!

--> 109 ) منها قوله كما في نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام ( تحقيق صبحي الصالح )، ص ٤٨٩: هلك فيَّ رجلان: محب غالٍ ومبغض قالٍ. 110 ) عطاردي؛ الشيخ عزيز الله: مسند الإمام الصادق عليه السلام ٢٠/ ٣٣٩ " لما لبى أبو الخطاب بالكوفة وادعى في أبي عبد اللّه عليه السّلام ما ادعاه دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام مع عبيد بن زرارة فقلت له جعلت فداك لقد ادعى أبو الخطاب وأصحابه فيك أمرا عظيما؛ إنه لبى بلبيك جعفر لبيك معراج وزعم أصحابه أن أبا الخطاب أسري به إليك فلما هبط إلى الأرض من ذلك دعا إليك ولذلك لبى بك. قال فرأيت أبا عبد اللّه عليه السّلام قد أرسل دمعته من حماليق عينيه وهو يقول يا رب برأت إليك مما ادعى فيَّ الأجدع عبد بني أسد خشع لك شعري وبشري، عبدٌ لك ابنُ عبد لك خاضعٌ ذليلٌ. ثم أطرق ساعة في الأرض كأنه يناجي شيئًا ثم رفع رأسه وهو يقول: أجل أجل عبدٌ خاضعٌ ٌ لربه صاغرٌ راغمٌ من ربه خائفٌ وجلٌ، لي واللّه ربٌ أعبده لا أشرك به شيئًا! ما له خزاه اللّه وأرعبه ولا آمن روعته يوم القيامة ما كانت تلبية الأنبياء هكذا ولا تلبية الرسل إنما لبيت بلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك.. 111 ) معجم رجال الحدیث 18: 136، وإبراهيم بن المهدي العباسي (ابن شكلة ) هو أخو هارون الرشيد، وكان موسيقيًّا ومغنيًا واجتمع عليه العباسيون مناكفة منهم للمأمون لما عهد بولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا. وهو الذي يقول فيه دعبل الخزاعي واصفا أي درك وصلت الخلافة له: إن كان إبراهيم مضطلعا بها فلتصلحن من بعده لمخارقِ ومخارق: مغنٍ مشهور. 112 ) الكوراني: الإمام علي الهادي ٣٠٣ 113 ) المهاجر: الامام الهادي 109